السيد محمد حسين الطهراني
16
معرفة المعاد
الأمر حتّى صار يصرف جميع عمره وثروته الوجودية من العقل والعلم والحياة والقدرة في الحديث عن أساطير وخرافات زيد وعمر ، ويؤمّل نفسه ويتعلّق - من أجل الشأن والحيثيّة - بسلسلة أمنيات بعيدة لا يعلم أحد هل سيصل إليها أم لا . إنغماس الإنسان في الأمور الاعتباريّة : ومن أجل نيل وتحقيق تلك المُنى والآمال الخيالية يقوم الانسان بنشاطات جادة وسريعة ، فتكون النتيجة هي رحيله عن الدنيا بأيدٍ صفر خالية ، لم يتمتّع بعدُ بثمرات الحياة ، ولم يدرك بعدُ ثمار عمره الفجّة أوان نضجها وحلاوتها ، فيتأمّل عمره المنقضي بحال انكسار وفتور ، وتتملكّه الحسرة والندامة وتملأ كيانه ، إذ ما العمل أمام عمر ضائع وملفٍّ مطوي ومُنادٍ يُهيب بالرحيل مُعجّلًا ؟ الدين هو منظّم العلائق بين الأمور الحقيقيّة والإعتباريّة لقد جاء الدين من قِبل الله تعالى ليشخّص ويعيّن سلسلة اعتباريات الانسان في حدود معيّنة بحيث تكون نافعة للانسان ، وغير معيقة لرقيّه وتكامله ، كما جاء ليبعد عن الانسان الكثير الذي لا ينفعه منها ، بل الذي يجرّه إلى جهنّم ، وليعلّمه سلسلة تعاليم تقوده إلى عالم الوجود والحياة . وبلا شكّ فانّ أولئك الذين يقتفون اثر هذه التعاليم ستدرك ثمرة وجودهم مرحلة كمالها ، وسيقومون بالاستفادة القصوى من القوى والإمكانات التي أعطيت لهم لدفع قواهم الوجودية إلى مرحلة الفعليّة . لذا يواجهون الموت في هذه الحالة ببشاشة ، لانّهم تخطّوا المراحل الابتدائية للتكامل ووصلوا إلى سرّ العالم ، وانكشفت لهم الحقائق جليّة ، وارتبطوا بالله ربّهم وضمّوا وجودهم الجزئي إلى كليّة هذا العالم ، وانغمروا وفنوا في العلم والحياة والقدرة الكليّة ، فلم يبقَ لهم أيّ حال منتظرة لم يدركونها .